أفضل الوجهات لمحبي الكتب والمكتبات حول العالم
دليل لأجمل المكتبات ومتاجر الكتب في العالم: من ليفراريا ليلو في بورتو إلى مكتبة الإسكندرية، وجهات تستحق السفر من أجلها لكل عاشق للقراءة.
حين يصبح الكتاب سببًا للسفر
هناك نوع من المسافرين لا يكتمل يومهم دون أن يدخلوا مكتبة أو متجر كتب في كل مدينة يزورونها. هؤلاء لا يبحثون فقط عن المعالم السياحية التقليدية، بل عن تلك الأماكن التي يفوح منها عبق الورق القديم، وتصطف فيها الرفوف من الأرض حتى السقف، وتشعر فيها أن الزمن يتوقف. إذا كنت واحدًا من هؤلاء، فهذا الدليل كُتب لك.
جمعنا في هذا المقال أجمل المكتبات ومتاجر الكتب حول العالم، أماكن تستحق أن تُبنى حولها رحلات كاملة. بعضها عمره قرون وبعضها حديث، بعضها ضخم يحتضن ملايين الكتب وبعضها صغير يختبئ في زقاق ضيق، لكنها جميعًا تشترك في شيء واحد: قدرتها على أن تجعلك تقف مذهولًا وأنت محاط بالكلمات.
ليفراريا ليلو — بورتو، البرتغال
تبدأ رحلتنا من بورتو، حيث تقف ليفراريا ليلو منذ عام 1906 في شارع داس كارميليتاس. هذا المتجر الذي يوصف كثيرًا بأنه أجمل مكتبة في العالم يُدهشك من لحظة الدخول: درج أحمر متعرج يصعد في قلب المبنى وكأنه ينبض بالحياة، سقف زجاجي ملون يغمر المكان بضوء ناعم، ورفوف خشبية منحوتة بتفاصيل قوطية تحتضن آلاف العناوين.
يُشاع أن جي كي رولينغ استوحت درج هوغوورتس المتحرك من درج ليلو، وسواء كان هذا صحيحًا أم لا، فالشبه لافت فعلًا. نظام الدخول يتطلب شراء تذكرة بثمانية يورو، لكن هذا المبلغ يُخصم من سعر أي كتاب تشتريه. نصيحتي: اذهب فور الافتتاح صباحًا لأن المكان يمتلئ بسرعة ويصبح التجول صعبًا بعد العاشرة. واشترِ كتابًا فعلًا، ليس فقط لاسترداد ثمن التذكرة، بل لأن الخروج من ليلو بيدين فارغتين يبدو خطأ أخلاقيًا.
شكسبير أند كومباني — باريس، فرنسا
على الضفة اليسرى لنهر السين، مقابل كاتدرائية نوتردام مباشرة، تقع أشهر مكتبة مستقلة في العالم. أسسها جورج ويتمان عام 1951 واختار لها اسم المكتبة الأسطورية التي كانت تديرها سيلفيا بيتش في العشرينيات وارتادها همنغواي وفيتزجيرالد وجويس. اليوم تواصل ابنته سيلفيا إدارة المكان بالروح نفسها.
ما يميز شكسبير أند كومباني ليس فقط مجموعتها الغنية من الأدب الإنجليزي والفرنسي، بل تقليدها الفريد في استضافة الكتّاب والقراء. المكتبة تحتوي على أسرّة مخبأة بين رفوف الكتب، وعلى مر العقود نام فيها آلاف الكتّاب الشباب مقابل أن يقرأوا كتابًا يوميًا ويساعدوا في المتجر لبضع ساعات. يسمّيهم ويتمان التامبلويد، نسبة إلى النبات المتجول. حتى لو لم تنم هناك، فإن مجرد التجول بين الطوابق الضيقة المكدسة بالكتب واستنشاق رائحة الورق القديم مع إطلالة على نوتردام من النافذة هو من التجارب التي تحفر نفسها في ذاكرة أي محب للكتب.
مكتبة ترينيتي كوليج — دبلن، أيرلندا
حين تدخل القاعة الطويلة في مكتبة كلية ترينيتي، ستتوقف ساقاك عن الحركة للحظة. ستة وخمسون مترًا من الرفوف الخشبية الداكنة ترتفع على جانبيك في قوسين متقابلين حتى السقف المقبب، وفيها مئتا ألف كتاب من أقدم مقتنيات المكتبة. الهواء نفسه يبدو مشبعًا بالمعرفة والتاريخ.
لكن النجم الحقيقي هنا هو كتاب كيلز، المخطوطة المزخرفة التي تعود للقرن التاسع الميلادي وتحتوي على الأناجيل الأربعة مكتوبة بخط يدوي مذهل ومحاطة بزخارف كلتية معقدة بألوان لا تزال نابضة بعد ألف ومئتي عام. المعرض مصمم بشكل ممتاز ويأخذك في رحلة عبر تاريخ صناعة المخطوطات. احجز التذكرة مسبقًا عبر الإنترنت لأن الطوابير قد تمتد لساعة أو أكثر، خصوصًا في الصيف.
مكتبة الإسكندرية — الإسكندرية، مصر
من أوروبا ننتقل إلى ضفاف البحر المتوسط الجنوبية، حيث تقف مكتبة الإسكندرية الجديدة كواحدة من أجرأ المشاريع المعمارية والثقافية في العالم العربي. افتُتحت عام 2002 لتكون وريثة روحية لمكتبة الإسكندرية القديمة التي كانت أعظم مستودع للمعرفة في العالم القديم قبل أن تُدمَّر.
المبنى نفسه تحفة معمارية: قرص شمسي ضخم مائل يبرز من الأرض نحو البحر، وجداره الخارجي مغطى بنقوش تمثل حروفًا وأبجديات من كل حضارات العالم. في الداخل، قاعة مطالعة مفتوحة على أحد عشر مستوى تتسع لألفي قارئ وتضم ثمانية ملايين كتاب. المكتبة ليست مجرد مستودع كتب بل مجمع ثقافي يضم متاحف وقاعات معارض وقبة سماوية ومركزًا للمخطوطات.
بالنسبة للمسافر العربي، تحمل هذه المكتبة بعدًا عاطفيًا خاصًا. إنها تذكير بأن هذه المنطقة من العالم كانت يومًا ما منارة المعرفة الإنسانية، وأن محاولة إحياء تلك الروح في مبنى معاصر هي فعل أمل بقدر ما هي فعل ثقافة. الدخول بخمسة وسبعين جنيهًا مصريًا فقط، أي أقل من دولارين.
مكتبة ستراهوف — براغ، التشيك
في أعلى تلة بتشين المطلة على مدينة براغ القديمة، يختبئ دير ستراهوف الذي يعود للقرن الثاني عشر، وفي داخله واحدة من أجمل المكتبات التي ستراها عيناك. المكتبة تتألف من قاعتين تحبسان الأنفاس: القاعة اللاهوتية والقاعة الفلسفية.
القاعة اللاهوتية بُنيت في القرن السابع عشر بأسلوب باروكي أنيق، سقفها مغطى بلوحات جصية تصور مشاهد مرتبطة بالمعرفة والحكمة. لكن القاعة الفلسفية هي التي ستجعل فكك يسقط حرفيًا: سقف مرتفع بشكل مهيب مغطى بلوحة جصية ضخمة واحدة تمثل تطور البشرية الفكري، ورفوف من خشب الجوز ترتفع حتى السقف مليئة بأكثر من أربعين ألف مجلد. الغرفة كلها تبدو كأنها لوحة زيتية عملاقة دخلتَ إلى داخلها. يُسمح لك بالنظر من الباب والتصوير، لكن الدخول إلى القاعة نفسها يتطلب جولة خاصة.
ريال غابينيتي البرتغالي للقراءة — ريو دي جانيرو، البرازيل
في قلب وسط ريو التجاري، خلف واجهة عادية لا تلفت الانتباه، تختبئ قاعة المطالعة التي يصفها كثيرون بأنها الأجمل في العالم. ريال غابينيتي البرتغالي للقراءة أسسها مهاجرون برتغاليون عام 1837، وتحتوي على أكبر مجموعة كتب باللغة البرتغالية خارج البرتغال نفسها.
المبنى من الخارج متواضع، لكن ما إن تدخل حتى تجد نفسك في كاتدرائية من الكتب. رفوف ترتفع أربعة طوابق على كل الجدران، ثريا حديدية ضخمة تتدلى من سقف زجاجي ملون يغمر المكان بنور ذهبي ناعم. المكان يحتضن ثلاثمئة وخمسين ألف كتاب، والدخول مجاني تمامًا. إنه من تلك الأماكن التي تجعلك تقف في المنتصف وتدور حول نفسك ببطء وأنت تحاول استيعاب كل هذا الجمال.
جولات الكتب: لندن واسطنبول
شارينغ كروس رود — لندن
لندن مدينة عملاقة لمحبي الكتب، لكن إذا كان وقتك محدودًا فاقصد منطقة شارينغ كروس رود وسيسيل كورت المتفرع منها. هذا الشارع كان تاريخيًا عاصمة تجارة الكتب المستعملة في لندن، وعلى الرغم من أن كثيرًا من المتاجر أغلقت عبر العقود، فلا تزال هناك كنوز حقيقية. متجر فويلز الضخم متعدد الطوابق يستحق ساعات من التجول، وفي سيسيل كورت ستجد متاجر صغيرة متخصصة في الطبعات الأولى والخرائط القديمة والكتب النادرة. ولا تنسَ المكتبة البريطانية التي تعرض مخطوطات لا تُقدَّر بثمن بما فيها مخطوطات قرآنية مبكرة.
سوق الصحّافين — اسطنبول
في قلب اسطنبول القديمة، بجوار البازار الكبير مباشرة، يقع سوق الصحّافين أو بازار الكتب الذي يعمل منذ القرن الثامن عشر. هذا السوق الصغير المسقوف يضم عشرات المتاجر التي تبيع الكتب بالتركية والعربية والإنجليزية، إضافة إلى المخطوطات العثمانية والخرائط القديمة والمنمنمات. الأسعار قابلة للمفاوضة كعادة أسواق اسطنبول، وأصحاب المتاجر غالبًا قرّاء شغوفون يحبون الحديث عن الكتب. في هذا السوق ستجد طبعات عربية نادرة وترجمات عثمانية ومخطوطات مصغرة تصلح هدايا ثمينة. بعد التسوق، اجلس في أحد المقاهي القريبة واقرأ مشترياتك الجديدة مع كوب شاي تركي.
نصائح عملية لرحلات محبي الكتب
- احمل حقيبة إضافية فارغة أو اشترِ واحدة محليًا. الكتب ثقيلة وستتراكم بسرعة أكثر مما تتوقع
- كثير من المكتبات التاريخية تمنع التصوير بالفلاش أو تفرض رسومًا على التصوير. احترم القواعد
- الصباح الباكر هو الوقت الذهبي لزيارة أي مكتبة أو متجر كتب شهير. بعد الظهر يأتي السياح الذين يريدون الصور فقط
- تعلّم بضع كلمات بلغة البلد مثل كتاب ومكتبة وشكرًا. أصحاب متاجر الكتب يقدّرون هذا بشكل خاص
- إذا كنت تجمع طبعات أولى أو كتبًا نادرة، تحقق من قوانين الجمارك قبل الشراء. بعض الدول تمنع تصدير الكتب التي يزيد عمرها عن مئة عام
كلمة أخيرة
الكتب والمكتبات ليست مجرد أماكن لتخزين المعرفة، بل هي شهادة على ما يهم البشر فعلًا. كل مكتبة عظيمة هي تعبير عن إيمان جماعة من الناس بأن الكلمة المكتوبة تستحق أن تُحفظ وتُصان وتُعرض بجمال. وحين تسافر من أجل مكتبة، فأنت لا تزور مبنى فقط، بل تزور فكرة. فكرة أن المعرفة هي أثمن ما أنتجته البشرية، وأن بعض الأماكن بُنيت لا لسبب إلا لتذكيرنا بذلك.
كلمات مفتاحية: