أفضل الوجهات لمحبي المسارح الرومانية والمدرجات القديمة
دليل لأفضل المسارح الرومانية والمدرجات القديمة حول العالم: الكولوسيوم في روما، الجم في تونس، جرش في الأردن، أفسس في تركيا، فيرونا وأسبندوس وبصرى
حين كان الحجر مسرحاً للحياة والموت
قبل ألفي عام، لم يكن هناك سينما ولا ملاعب كرة قدم ولا بطولات مصارعة على الشاشات. كان المدرّج الروماني هو كل ذلك مجتمعاً: ملعب ومسرح ومحكمة وساحة للفرجة على الحياة بكل وحشيتها وجمالها. بناها الرومان بهندسة تُذهل المعماريين حتى اليوم — صفوف مقاعد تتسع لعشرات الآلاف، أنظمة صوتية طبيعية تُوصل الهمس إلى آخر صف، وممرات إخلاء تُفرِّغ المدرّج في دقائق. اليوم، ما تبقّى من هذه المدرّجات يروي حكاية حضارة وضعت بصمتها من إسبانيا غرباً إلى سوريا شرقاً، ومن بريطانيا شمالاً إلى شمال أفريقيا جنوباً.
السفر إلى هذه المواقع ليس مجرّد درس تاريخ، بل تجربة حسّية كاملة. حين تجلس على مقاعد حجرية عمرها ألفا عام وتتخيّل الهتافات التي ملأت المكان، أو حين تقف على خشبة مسرح روماني وتهمس فيسمعك من يجلس في الصف الأخير — تلك لحظات تصلك بالبشرية بطريقة لا تستطيع أي شاشة تقديمها. إليك سبع وجهات تمنحك هذه التجربة في أبهى صورها.
الكولوسيوم في روما: الأيقونة التي لا تحتاج تعريفاً
يبدو من الابتذال أن تبدأ بالكولوسيوم، لكن تجاهله في قائمة كهذه سيكون أشبه بالحديث عن كرة القدم دون ذكر كأس العالم. هذا المدرّج العملاق الذي بدأ بناءه الإمبراطور فسبازيان عام اثنين وسبعين ميلادياً وافتتحه ابنه تيتوس بعد ثماني سنوات بمئة يوم متواصلة من المصارعة والعروض، كان يتسع لخمسين ألف متفرّج — أكبر من معظم ملاعب كرة القدم الحديثة.
ما لا يعرفه كثيرون هو أن الكولوسيوم كان يُغمَر بالمياه أحياناً لإقامة معارك بحرية مصغّرة. الجولة تحت الأرضية — التي أُتيحت للزوّار مؤخراً — تكشف شبكة أنفاق ومصاعد خشبية كانت تُصعد الحيوانات المفترسة إلى ساحة المصارعة في لحظات مسرحية مدروسة. هذه الجولة تستحق كل قرش إضافي من ثمن التذكرة الذي يبلغ نحو أربعة وعشرين يورو للتذكرة الكاملة.
نصيحة عملية: احجز تذكرتك عبر الإنترنت قبل أسبوع على الأقل. طوابير الشباك تمتد لساعات في الموسم السياحي. واذهب أول شيء صباحاً أو في آخر ساعتين قبل الإغلاق لتجنّب الزحام الخانق. تذكرة الكولوسيوم تشمل أيضاً دخول المنتدى الروماني وتلّة بالاتين المجاورين — خصّص نصف يوم كامل لهذا المثلث التاريخي.
مدرّج الجم في تونس: العملاق الأفريقي المنسي
هنا واحدة من أعظم المفاجآت في عالم السفر. في قلب السهوب التونسية، وسط بلدة هادئة لا يتجاوز عدد سكانها عشرين ألف نسمة، يقف ثالث أكبر مدرّج روماني في التاريخ — بعد الكولوسيوم ومدرّج كابوا المهدّم. مدرّج الجم بُني في القرن الثالث الميلادي ليتسع لخمسة وثلاثين ألف متفرّج، والمذهل أنه لا يزال قائماً بشكل شبه كامل، بينما الكولوسيوم نفسه فقد أكثر من ثلثي هيكله.
السير داخل مدرّج الجم تجربة مختلفة تماماً عن الكولوسيوم. لا طوابير، لا حشود سياحية خانقة، لا أسوار تمنعك من اللمس. تستطيع أن تتجوّل بحرّية في الممرات تحت الأرضية حيث كان المصارعون ينتظرون مصيرهم، وأن تصعد إلى أعلى صف وتطلّ على السهول الممتدة حتى الأفق. الصوتيات مذهلة — صفّق في وسط الحلبة واسمع الصدى يتردّد في الأروقة الحجرية. وسعر الدخول؟ نحو ثلاثة دولارات فقط. ثلاثة دولارات لزيارة أحد أعظم الآثار الرومانية في العالم.
المدرّج يستضيف سنوياً مهرجان الجم الدولي للموسيقى السيمفونية في الصيف، حيث تُقام حفلات موسيقية كلاسيكية تحت النجوم في ذات المكان الذي شهد معارك المصارعين. إن تزامنت زيارتك مع المهرجان، لا تتردّد — سماع أوركسترا تعزف في مدرّج عمره ألف وثمانمئة عام تجربة لا تُنسى مهما عشت.
جرش في الأردن: مدينة رومانية بأكملها
جرش ليست مجرّد مدرّج، بل مدينة رومانية كاملة محفوظة بشكل استثنائي على بعد خمسين كيلومتراً شمال عمّان. حين تعبر قوس هادريان وتدخل الساحة البيضاوية — ذلك الميدان الفريد الذي لا مثيل له في العالم الروماني بأعمدته الأيونية السبعة والخمسين التي لا تزال واقفة — تشعر أنك انتقلت عبر الزمن فعلاً.
تضم جرش مسرحين رومانيين: المسرح الجنوبي الذي يتسع لثلاثة آلاف متفرّج ولا يزال يُستخدم لعروض حيّة، والمسرح الشمالي الأصغر. لكن ما يميّز جرش حقاً هو السير في شارع الأعمدة — كاردو ماكسيموس — بطول ثمانمئة متر من الأعمدة الكورنثية التي لا تزال تقف شامخة بعد ألفي عام. تخيّل هذا الشارع مكتظاً بالتجار والجنود والفلاسفة، وستفهم عظمة المدينة التي وصفها المؤرخون بأنها «بومبيي الشرق».
مهرجان جرش للثقافة والفنون الذي يُقام سنوياً في الصيف يُحيي المسرح الجنوبي بعروض موسيقية ومسرحية من مختلف أنحاء العالم العربي. الدخول إلى الموقع الأثري يكلّف عشرة دنانير أردنية للأجانب — نحو أربعة عشر دولاراً — ويستحق كل قرش. خصّص ثلاث ساعات على الأقل للتجوّل.
أفسس في تركيا: مسرح عمالق بين أنقاض ملحمية
مدينة أفسس القديمة قرب مدينة سلجوق التركية تضم واحداً من أضخم المسارح الرومانية في العالم — مسرح يتسع لخمسة وعشرين ألف متفرّج، مبنيّ في سفح جبل ولا يزال محتفظاً بمعظم مدرّجاته. هنا، وفقاً للتقليد المسيحي، خطب القديس بولس في سكان المدينة فثار عليه صاغة الفضة الذين خشوا على تجارتهم في تماثيل الإلهة أرتميس.
لكن أفسس أكبر بكثير من مسرحها. مكتبة سيلسوس بواجهتها المرمّمة التي أصبحت أيقونة تركيا الأثرية، والبيوت المتدرّجة — تيراس هاوسز — التي تكشف حياة النخبة الرومانية بفسيفسائها ورسوماتها الجدارية المحفوظة، وشارع الرخام ومعبد هادريان — كل ذلك يجعل أفسس تجربة لا تقل عن نصف يوم كامل. تذكرة الدخول نحو ستة وعشرين يورو، والبيوت المتدرّجة تتطلّب تذكرة إضافية لكنها تستحق بلا شك.
أرينا دي فيرونا في إيطاليا: مدرّج لا يزال حيّاً
معظم المدرّجات الرومانية أصبحت آثاراً صامتة. ليس مدرّج فيرونا. هذا المدرّج الذي بُني في القرن الأول الميلادي ويتسع لثلاثين ألف متفرّج لا يزال يستضيف عروض الأوبرا كل صيف منذ عام ألف وتسعمئة وثلاثة عشر — أي منذ أكثر من مئة عام بلا انقطاع. تخيّل أن تشاهد أوبرا عايدة لفيردي — التي كُتبت عن مصر القديمة — في مدرّج روماني عمره ألفا عام تحت سماء إيطالية مرصّعة بالنجوم.
الحضور مهيب: عشرون ألف متفرّج يحملون شموعاً صغيرة تُضاء مع بداية العرض، والمقاعد الحجرية الأصلية لا تزال هي نفسها التي جلس عليها الرومان. تبدأ أسعار التذاكر من ثلاثين يورو للمقاعد الحجرية العليا — غير مريحة لكن الأجواء تعوّض عن كل شيء — وتصل إلى مئتين وخمسين يورو للصفوف الأمامية. الموسم يمتد من يونيو إلى سبتمبر، واحجز مبكراً لأن العروض تنفد بسرعة.
حتى لو لم تحضر أوبرا، فيرونا نفسها مدينة ساحرة — مدينة روميو وجولييت التي يمكنك التجوّل فيها سيراً وزيارة بيت جولييت الشهير والساحات العتيقة والجسور الحجرية فوق نهر أديجي.
أسبندوس في تركيا: الأفضل حفظاً في العالم
إن كان هناك مسرح روماني واحد في العالم يمكن وصفه بالمثالي، فهو مسرح أسبندوس. يقع على بعد خمسين كيلومتراً شرق أنطاليا التركية، وهو ببساطة أفضل مسرح روماني محفوظ على وجه الأرض. بُني في عهد الإمبراطور ماركوس أوريليوس في القرن الثاني الميلادي ويتسع لخمسة عشر ألف متفرّج، ولا يزال يحتفظ بجدار المسرح الخلفي — السكيني — بارتفاعه الكامل، وهو العنصر الذي فقدته معظم المسارح الرومانية الأخرى.
نظامه الصوتي أعجوبة هندسية حقيقية. قف في وسط المسرح وأسقط عملة معدنية على الأرض — سيسمعها من يجلس في الصف الأخير بوضوح تام. هذه الهندسة الصوتية تجعل أسبندوس لا يزال يُستخدم لحفلات موسيقية وعروض باليه وأوبرا ضمن مهرجان أسبندوس الدولي. الدخول يكلّف نحو عشرة يورو، والزيارة تستغرق ساعة ونصف تقريباً. يمكن دمجها بسهولة مع يوم على شواطئ أنطاليا.
مسرح بصرى الشام في سوريا: عملاق الشرق الصامت
لا يمكن الحديث عن المسارح الرومانية دون ذكر بصرى الشام، حتى لو كانت الظروف الحالية تجعل الزيارة صعبة. هذا المسرح الذي يُعدّ الأكبر والأفضل حفظاً في الشرق الأوسط بُني من البازلت الأسود في القرن الثاني الميلادي ويتسع لخمسة عشر ألف متفرّج. ما يجعله فريداً هو أنه أُحيط في القرون الوسطى بقلعة أيوبية ضخمة حوّلته إلى حصن منيع، وهذا ما حماه من الزلازل والنهب عبر القرون.
كان مسرح بصرى يستضيف مهرجاناً دولياً سنوياً يُعدّ من أعرق المهرجانات في العالم العربي، وغنّى على خشبته أم كلثوم وفيروز وصباح فخري. اليوم، يقف المسرح صامتاً في انتظار أن تعود الأيام التي يمتلئ فيها بالموسيقى والتصفيق. حين تسمح الظروف بالزيارة، سيكون بصرى من أولى الوجهات التي يجب أن يقصدها كل عاشق للتاريخ في المنطقة — موقع مسجّل على قائمة اليونسكو للتراث العالمي يختزل في حجارته السوداء حكاية الرومان والنبطيين والمسلمين معاً.
كيف تخطّط لرحلة المدرّجات الرومانية
- الجولة المثالية: يمكنك دمج عدة مواقع في رحلة واحدة. ابدأ بروما، ثم طِر إلى فيرونا، ثم إلى أنطاليا لزيارة أسبندوس وأفسس معاً. أو اجعلها رحلة عربية: عمّان لجرش، ثم تونس للجم — رحلة أسبوع لا تُنسى.
- أفضل توقيت: الربيع (مارس — مايو) والخريف (سبتمبر — نوفمبر) مثاليان لتجنّب الحر الشديد الذي يجعل التجوّل في مواقع مكشوفة مرهقاً. الصيف ممتاز إن كنت تريد حضور مهرجانات فيرونا أو أسبندوس أو الجم.
- الأحذية: احمل دائماً حذاء مريحاً بنعل متين. الأرضيات في المواقع الأثرية حجرية وغير مستوية، والمدرّجات شديدة الانحدار. الكعب العالي والصنادل الخفيفة وصفة لكارثة.
- المرشد أم لا: في الكولوسيوم وأفسس، المرشد يضيف كثيراً لأن القصص التي يرويها تُحيي الحجارة. في الجم وأسبندوس، يمكنك الاستمتاع بالزيارة وحدك مع بحث مسبق على الإنترنت.
- التصوير: أفضل إضاءة للتصوير في الساعة الذهبية — قبل الغروب بساعة. المدرّجات تتحوّل إلى لوحات فنية حين تلوّنها أشعة الشمس المائلة بدرجات العسل والبرونز.
كلمات مفتاحية: